Menu

عام على الطوفان الفلسطيني 

مجددًا عن مسألتي الوطني والقومي 

د. وسام الفقعاوي

خاص، الهدف - غزة

جاء طوفان الأقصى في السابع من أكتوبر من العام المنصرم، ليبلغ صداه ومداه من الخاص الفلسطيني إلى العام العربي ومنهما للأممي، بحيث لم يبقَ هذا الحدث/الهجوم النوعي في تاريخ الصراع مع العدو الصهيوني، وما ترتب عليه من حرب إبادة جماعية وتطهير عرقي صهيوني إمبريالي؛ محصورًا بكونه فعل فلسطيني بامتياز، فقد استدعى ليس انتباه الأمة العربية فحسب، بل شد عصبها الأساسي اتجاه قضيتها المركزية الأولى، التي ورغم كل ما تئن تحت وطأته، من هيمنة واستلاب وقمع وافقار وترهيب، إلا إنها لم تتنكر لنفسها التي ترى من خلالها قضاياها الداخلية، سوى من بوابة رؤيتها لقضيتها العمومية؛ القضية الفلسطينية، هنا موقع طوفان الأقصى/الخاص الفلسطيني، في سياق العام العربي، حيث وفي كل مرة تنتصب أمامنا تجارب ودروس الواقع الغنيَة والتي تقول وتعلن: بأن كل وطنية بلا بعد قومي هي قطرية مُغلقة؛ فالذي مهد لقول: الأردن أولًا ولبنان أولًا والمغرب أولًا و مصر أولًا... هو الانغلاق القطري الفلسطيني، الذي تأسس منذ بدايات متقدمة على انطلاق ما سُميَّ الثورة الفلسطينية المعاصرة، وقادتها حركة فتح، على فكر التسوية ونهجها، الذي اتخذ مسارًا تصاعديًا في الحالة الفلسطينية، ولكن من بوابة التسوية العربية، من خلال وعي العدو؛ صاحب المشروع، بأن الفكاك بين القضية الفلسطينية، وعمقها القومي، يجب أن يبدأ عربيًا، بعد أن جرى التهيؤ له فلسطينيًا؛ كون الأول، أي العمق العربي هو المستهدف أساسًا، إذا ما أراد العدو الصهيوني الاستفراد بالوضع الفلسطيني، وتعميق عزلته وانفصاله وانقسامه وتشظيه من الداخل، في سعية لتصفية وشطب القضية الفلسطينية، عن جدول الأعمال العربية؛ مشرعًا كل الأبواب لمشروعه الشرق أوسطي الذي سيُغيَر شكل وتركيبة المنطقة، هكذا كان يسعى وهكذا أعلن بعد السابع من أكتوبر وما يزال. لقد كانت الدروس وما زالت من دم، وربما ما كان يقال في أوقات متقدمة بأن القضية الأساسية هي القضية العربية، وما المسألة الفلسطينية، سوى التعبير الأبرز عن العام المستهدف من بوابة الخاص؛ بدا وقتها كأنه حالة تنظير وتضخيم للعدو من البعض وسبل مواجهته، حتى لمسنا بعد سلسلة الهزائم أن العدو/إسرائيل، ليس العدو الوحيد ولا يمكن تحقيق النصر عليه وحدنا أو كل حلقة على انفراد... لقد كان هذا الوعي الكامل والصحيح، قبل أن تستثمر "الثورة المعاصرة"، في الهزيمة الكبيرة التي تعرض لها المشروع القومي، للهروب من السفينة التي أغرقها العدو، أو بمعنى أدق المشروع الصحيح الذي كان العدو معنيٌ أن يُغرقه ويُجهز عليه، كي يستطيع لاحقًا الاجهاز على "الثورة المعاصرة" التي استثمرت أيضًا في هزيمة "الثورة وجيشها وحربها الكلاسيكية القديمة"؛ فشقت "حرب شعبها"، التي كان سهلًا ضربها بعد أن فقدت عمقها. 
لقد جاءت دروس التجربة الغنية، والتي كلفتها دم ووجود ومصير، لتقول: أن الهوية الوطنية وحدها بلا بعد قومي غير قادرة على حماية القُطر نفسه من التجزئة، إذا كان مشروع العدو، أن يتقدم على أرض رخوة ومفككة ومتناحرة، وإذا يريد بناء شروق أوسط جديد، كغاية لمشروعه؛ فالبناء يتطلب ضرب الفكرة العربية الجامعة، ليفكك الأقطار ويعيد صياغتها من جديد وفق هويات اثنية ومذهبية جديدة... وهنا كما في كل مرة، تُعاد الكَرَةِ مرة أخرى، في محاولة بائسة وبلسان عربي ومنه فلسطيني أيضًا، إلى بعث هذه الهويات الاثنية والانقسامات المذهبية على وقع الحرب على غزة ومنها إلى لبنان واليمن وسوريا والعراق وإيران، في محاولة لتطييف ومذهبة من يقف مع نفسه/مشروعه، الذي لن يكون عروبيًا، إن لم يكن أساسه/قاعدته فلسطينية، وهذه أيضًا محاولة بائسة لتجاوز البعد الشعبي التضامني من المنامة إلى الرباط ومن صنعاء إلى دمشق، من المسيرات الشعبية إلى المقاطعة الاقتصادية وصولًا لمحاصرة السفارات الإسرائيلية وما بينها، وتعبيراتها العسكرية، من كرامة ماهر الجازي حديثة، الذي يُعيد من التاريخ المعاصر؛ كرامة مشهور حديثة، إلى تسلل نهر الأردن من قبل مقاتليّن عربيين بزيهما العسكري؛ في استعادة عبور الفدائي العربي الفلسطيني؛ متسللًا من النهر، حيث الوجهة لتحرير فلسطين، وهنا موقع فلسطين العربية في الوعي الشعبي العربي والذي لم يستطع أن يسقطه تيار التسوية، حيث تعيده دائمًا المقاومة، وليس غيرها إلى مشهديته الأولى؛ انطلاقًا من كونها قضيته الأولى أيضًا. 
إن استراتيجية العدو على الصعيد العربي بأدواتها كافة وبأشكال الحروب والاستنزاف والاستلاب والتفريغ البنيوي والتطويع والاحتواء وزرع الوهم والوعي الزائف؛ استطاعت أن تحقق خرقًا في أكثر من موقع ومكان، ولكن أصابت في مقتلها القضية الفلسطينية؛ فما كان لهذا الاختراق أن يحدث لولا الأزمة التي تفجرت في قلب الحركة القومية العربية، بعد هزيمة يونيو 1967، ووصلت للتشكيك بصحة "مشروعها"، حتى لو لم يكن ناضجًا كفاية، وفتحت لتغييرات كبيرة في كثير من القوميين؛ كأفراد وكمجموعات في أحزاب، حيث بدت لهما أن الماركسية التي انتصرت في الصين وكوريا الشمالية والهند الصينية؛ بديلًا حتميًا قادرًا على التغيير في الوطن العربي، وأحرى على تحرير فلسطين، لأنها كانت تهزم القوة الإمبريالية العظمى: الولايات المتحدة الأمريكية. وطالما أن الوعي لم يكن متحققًا بالماركسية؛ فلم يكن أمام المغادرين من أحزابهم وحركاتهم القومية، إلى مواقع الماركسية، سوى المدارس السوفييتية للتعلم من زاد ماركسيتها التي انحرفت عن جذرها، كأخلاقية ومنهجية تفكير وصولًا لتجاوز القومية لحساب الأممية، بعد أن فشلت في إقامة علاقة سليمة، بين المسألتين؛ الوطنية والقومية، ووضعتهما في حالة تنافر لا التقاء، وهذا ما دفع ثمنه الاتحاد السوفييتي لاحقًا من شعبه وأرضه معًا، لعل عنوانها الحالي "الأزمة الأوكرانية" التي تستثمر فيها الإمبريالية الأمريكية - الغربية. 
في ضوء ما تقدم، وجدنا أن الذهنية القُطرية تخترق الجميع، وتُحوّل العرب إلى شعوب، كما كل شعوب العالم، وليتحول معها في الممارسة الصراع العربي – الصهيوني، إلى صراع فلسطيني – إسرائيلي، وباتت مهمة العرب الدعم والمساعدة فقط، وحيث باتت "الثورة الفلسطينية" والقوى التقدمية – الماركسية منها بالذات، غير معنية بالكفاح الشعبي ضد النظم الرجعية، ولا تسعى إلى تغييرها في سياق الصراع ضد المشروع والوجود الصهيوني، ومن أجل تطوير الصراع؛ فعلى العكس باتت "لا تتدخل في الشؤون العربية"، بل وتقيم علاقات مع بعض النظم التي هي في تناقض مع شعوبها، وتقيم علاقات وثيقة مع العدو الصهيوني في آن - حيث كشفت حرب غزة، عن مستوى شراكة وتحالف هذه النظم مع العدو - وهنا بدا أن خللًا طال فهم طبيعة الصراع، حيث لم يعد تغيير الواقع العربي ضروريًا من أجل تحرير فلسطين، لأن القضية باتت قضية فلسطينية، وأصبح منطق "المساعدة" هو السائد، وليس الانطلاق من أن تحرير فلسطين؛ يستلزم مشاركة العرب، بكون الصراع هو صراع العرب ضد المشروع الصهيوني الإمبريالي... هذه الحقيقة التي يُعيد طرحها الطوفان الفلسطيني، بعد مرور عام على هجومه، وهذه الحقيقة التي يجب أن يُعاد لها الاعتبار: وهي أنه لا فلسطين دون عرب، ولا عرب دون فلسطين، وهذا هو موقع إسرائيل/العدو ودورها في قلب وطننا العربي.